فخر الدين الرازي
95
المطالب العالية من العلم الإلهي
محال . فثبت بما ذكرنا ، أن الافتقار والاحتياج « 1 » ] لو حصل لكان ذلك إما عين تلك الذات وإما أمرا مغايرا لها ، والقسمان باطلان ، فالقول بثبوت الافتقار والاحتياج باطل . الشبهة الرابعة : لو صدق على شيء كونه مفتقرا إلى الموجد والمؤثر ، لزم كون تلك الماهية متقدمة بالرتبة على حصول هذه الحاجة ، وكونها متأخرة عن هذه الحاجة محال ، فوجب أن يكون القول بثبوت الاحتياج : محال . إنما قلنا : إنه يقتضي التقدم لوجهين : الأول : إن افتقاره إلى المؤثر واحتياجه إليه صفة « 2 » من صفاته ، وحكم من أحكامه ، وصريح العقل يقتضي بتقدم الموصوف على الصفة بالرتبة . والثاني : إن افتقار الشيء واحتياجه إلى الغير ، نسبة مخصوصة بينه وبين ذلك الغير ، وتحقق النسبة بين الشيئين يتوقف على تحقق الشيئين « 3 » ، فوجب أن يكون الافتقار والاحتياج متأخرا بالرتبة عن تحقق الذات المحكوم عليها بالافتقار والاحتياج . وإنما قلنا : إنه يقتضي التأخر ، وذلك لأن الافتقار إلى الفاعل إنما يحصل لأجل أن يجعله الفاعل متحققا وحاصلا وكائنا وإذا كان كذلك وجب أن يكون تحقق الأثر وتكونه ، متأخرا عن تأثير الفاعل فيه ، لكن تأثير الفاعل فيه متأخر عن افتقاره واحتياجه إلى الفاعل ، والمتأخر عن المتأخر عن الشيء متأخر عنه . فثبت : أن تحقق تلك الحقيقة المحكوم عليها بالافتقار والاحتياج إلى المؤثر يجب أن يكون متأخرا بالرتبة عن احتياجه إلى المؤثر ، فيثبت بما ذكرنا : أنه لو صدق على شيء كونه مفتقرا إلى المؤثر ، ومحتاجا إليه ، فإنه يلزم كون تلك الحقيقة متقدمة بالرتبة ، على حصول تلك الحاجة ، وكونها متأخرة عنه ، ومعلوم أن ذلك محال ، فوجب أن يكون القول بثبوت الاحتياج والافتقار باطلا ومحالا . ولا يقال : لم لا يجوز أن يقال الموصوف بالافتقار والاحتياج إلى المؤثر ، هو الماهية ،
--> ( 1 ) من ( ز ) . ( 2 ) إليه لا تفتقر صفاته . . الخ ( س ) . ( 3 ) النسبتين ( س ) .